مروان خليفات
207
وركبت السفينة
وقال طلحة بن عبيد الله : " . . . إنا كنا قوما أغنياء ، لنا بيوتات وأهلون ، وكنا نأتي رسول الله طرفي النهار ثم نرجع " ( 1 ) . قال ابن حزم في بيان حال الصحابة بأنهم كانوا " مشاغيل في المعاش ، وتعذر القوت عليهم بجهد العيش بالحجاز ، وأنه كان يفتي بالفتيا ويحكم بالحكم بحضرة من حضره من أصحابه فقط ، وانه إنما قامت الحجة على سائر من لم يحضره بنقل من حضره وهم واحد أو اثنان " . " وإذا صح هذا - أي كلام ابن حزم - وهو صحيح جدا لأن التاريخ لم يحدثنا عنه انه - أي النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) - كان يجمع الصحابة جميعا ، ويبلغهم بكل ما يجد من أحكام ، ولو تصورناه في أقواله فلا نتصوره في أفعاله وتقريراته وهي من السنة . فماذا يصنع من يريد التمسك بسنته - ولنفترضه من غير الصحابة - أيظل يبحث عن جميع الصحابة وفيهم الولاة والحكام وفيهم القواد والجنود في الثغور ليسألهم عن طبيعة ما يريد التعرف عليه من أحكام ؟ أم يكتفي بالرجوع إلى الموجودين ، وهو لا يجزيه لاحتمال صدور الناسخ أو المقيد أو المخصص أمام واحد أو اثنين ممن لم يكونوا بالمدينة ، والحجة - كما يقول ابن حزم - لا تقوم إلا بهم ، والعمل بالعام أو المطلق لا يجوز قبل الفحص عن مخصصه ما دمنا نعلم من طريقة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في التبليغ هو الاعتماد على القرائن المنفصلة ، فالإرجاع إلى شئ مشتت وغير مدون تعجيز للأمة وتضييع للكثير من أحكامها الواقعية . وإذا كانت هذه المشكلة قائمة بالنسبة إلى من أدرك الصحابة وهم القلة نسبيا ، فما رأيكم بالمشكلة بعد تكثر الفتوح وانتشار الإسلام ومحاولة التعرف على احكامه من قبل غير الصحابة من رواتهم ، وبخاصة بعد انتشار الكذب والوضع في الحديث . . . " ( 2 ) .
--> 1 - تاريخ ابن كثير : 4 / 109 ، قال : وقد رواه الترمذي بنحوه . 2 - الأصول العامة للفقه المقارن : محمد تقي الحكيم ، 172 . إن هذا الكلام الرائع كاف لإثبات أن النبي لم يفكر بأن يحمل صحابته الدعوة من بعده !